ومن الآن وحتى وقت غير محدود سيبقى سيل المعلومات ينهمر على رؤوسنا عبر وسائل الاعلام المختلفة وفيها الكثير من الفضائح, والصراحة, وفيها ايضاً الكثير من الكذب والتضليل الاميركي الأقبح من الجرائم التي ارتُكبت بحق السجناء وغيرهم من المواطنين العراقيين.
شهود عيان في ندوة باريسية
ولكن, قبل خروج هذه التصريحات الاميركية الأخيرة الى العلن بشهرين كاملين كانت العاصمة الفرنسية باريس قد شهدت أول ندوة عالمية للتضامن مع الشعب - والمقاومة العراقية, وكان أبرز ما قُدّم فيها الإستماع الى شهادات حيّة من بعض الذين سُجنوا وعُذبوا, أو لحق بهم أو بأي أحدٍ من أقاربهم جرائم بشعة وشاذة على أيدي جنود الاحتلال الاميركي - والبريطاني ايضا. بعض هذه الشهادات أدلى بها شخصياً أمام المؤتمرين عدد من الذين استطاعوا القدوم خصيصاً الى فرنسا من أجل الإدلاء بأقوالهم, وقد تضمنت تفاصيل لم تتحدث عنها وسائل الاعلام بعد, لشدة فظاعتها وشذوذيتها التي لا يمكن أن يتصورها انسان طبيعي وسوّي, خصوصاً فيما يتعلق بالممارسات الإجرامية التي تعرّض لها الاولاد الصغار في السجن, والسيدات.. والآنسات, وما مورس على رب العائلة أمام أبنائه أو العكس..
لقد أثارت هذه الندوة العالمية للتضامن مع العراق جوانب أعمق مما طرحته الصحف, وذهبت الى أبعد من النتائج التي توصلت اليها. وقد ساعد على ذلك وجود عدد كبير من الهيئات والجمعيات المستقلة المناهضة للحرب وراء انعقادها, وحضور لفيف كبير من السياسيين والحقوقيين والنقابيين والناشطين في مجال حقوق الانسان, مع مساهمة قوية من سائر الاتجاهات السياسية الفرنسية, عدا عن مشاركة فاعلة لمندوبين من بريطانيا وايطاليا, وسورية, ولبنان, وتونس واسبانيا وكوبا والبرتغال.. وحتى من اميركا.. وقد دُعيت لحضور هذه الندوة المفوضة العامة لفلسطين في فرنسا, إلا أنها بعثت للندوة بكتاب اعتذار عن عدم تمكنها من الحضور.
من يقف وراء الفتن؟
وكان من أبرز ما طُرح فيها كشهادات حيّة ايضاً تعكس الوجه الآخر - الايجابي المتعلق بالمقاومة - تحدث أكثر من مُتكلّم عن تفاصيل الحياة اليومية وكيفية التفاف الناس حول المقاومة, رغم المصائب وفقدان الأمن وحتى لقمة العيش, وحرصهم على التمسك بالوحدة الوطنية والتصدي للفتن الطائفية والعرقية.. الخ, وأعطى أحد الحاضرين مثلاً لذلك على كيفية مشاركة الشباب المسيحيين في حراسة المساجد, والمسلمين في حراسة الكنائس إحتراماً لحرية وخصوصية الأديان والتعايش بين الجميع, وتأكيداً على أن الكّل يدافع عن البلد بتراثه وتاريخه لطرد الاحتلال.
هذا الكلام الذي قيل قبل شهرين فقط من الآن يؤكد أن ما حصل مؤخراً فيما يتعلق باستهداف الكنائس خصوصاً, وما حصل قبله من استهداف العديد من المساجد يصّب بشكل مفضوح للجميع في سياق محاولة الاحتلال والقوى الداعمة له لضرب الوحدة الوطنية وإثارة المشاعر الطائفية والمذهبية.
وللحقيقة أقول, انني لم أجد في الشهادات التي قالها بعض الاخوة العراقيين حول جرائم الاحتلال أي غرابة - رغم غرابتها القصوى - كما أنها لم تفاجئني لا كإنسان ولا كعضو في الندوة أو ناشط في مجال الجمعيات الأهلية وحقوق الانسان. ولهذا لم يُغيّر ما سمعته من طبيعة الكلمة التي أعددتها مسبقاً للندوة وألقيتها فيها, ذلك لأنني من الموقنين بأن تاريخ الاميركان - وأعني الرسمي السياسي والعسكري - وليس الشعبي, قد كان على الدوام - ورغم قصره قياساً بتاريخ باقي الأمم والشعوب - مفعماً بالجرائم المتميّزة في بشاعتها وهولها. متميّز؛ منذ القديم, منذ العقود الأولى لاكتشاف القارة, ومنذ ما قبل الحربين العالميتين, وصولاً الى الجرائم التي ارتُكبت في أفغانستان والعراق, وما يجري ترتيبه الآن ضد السودان (حتى داخل الأمم المتحدة وما يُسمى بالشرعية الدولية!!), مع استمرار الضغط الظالم على الفلسطينيين, هذا الشعب الصامد المناضل, الى حدّ لا يمكن لبشر أن يفهمه أو يُقرّه.
اِنها الطبيعة الأميركية!
وإذا كان البعض يعتقد أنه بافتضاح هذا المسلسل الطويل من الجرائم الاميركية قد يجري وضع حدّ لاستشرائها فهو مخطيء, ولن يخلو في اعتقادي أي بلد من شرور "الدولة الأقوى" وسيكون في المقدمة حلفاؤهم واصدقاؤهم في الخليج والسعودية تحديداً, وما نراه على الأرض من أحداث يثبت ذلك بوضوح, كما تُثبته محاولات ادارة بوش المستميتة توريط العرب والمسلمين في المستنقع العراقي من خلال جرّهم ليكونوا هراوة الاحتلال وأداته الضاربة بالنيابة, عبر مشاريع جديدة تتحدث عن إرسال قوات عربية - اسلامية لتشارك, أو تحّل محل قوات الاحتلال التي أصبح يُطلق عليها زوراً وتزويراً "القوات المتعددة الجنسية". وهذا الأمر, إن حصل, وهو أمر مستبعد - سيهدد المنطقة وسائر الشعوب العربية والاسلامية بسيل من الدماء والحروب لم تشهدها في تاريخها.
ولما كان هذا هو تاريخ الاميركان الرسمي على مدار تاريخهم الحديث. منذ ما قبل هيروشيما وناغازاكي, فليس من الغريب اذن أن يكرّروا ذلك بصورة اخرى أكثر "ذكاءً" ووحشية في العراق, من خلال استعمال قنابلهم "الذكيّة" كما أسموها, خصوصاً في عمليات الردّ على ما أحرزه العراقيون من نصر حاسم ومفاجىء هنا وهناك, وهي القنابل التي يُطلق عليها اسم "electromagentique" أو "Bombes E", والتي تجعل من المنطقة التي تستهدفها فرناً حرارياً يُصهر كل ما فيه حتى الدبابات وسائر الآليات, عدا حرق البشر والكائنات الحيّة والجمادات, وهذا ما فعلوه فعلاً في معركة المطار حيث نزلوا كالمجانين بأقصى قوتهم التكنولوجية المتطورة بهدف إبادة الرجال والمعدات التي استطاعت تحرير المطار ببطولة نادرة بعد المواجهة الأولى للقوات التي نزلت فيه, ولم يكن يومها وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف كاذباً عندما أعلن ذلك على الملأ.
ولما كان هذا هو تاريخهم الحقيقي, تاريخ الإجرام الجماعي بحق بني البشر, فليس غريباً ايضا ان يقترفوا ما اقترفوه في سجن أبو غريب. أما اعتذارهم الذي عبّر عنه بوش وعصابته عمّا ارتكبه جنوده من جرائم جسدية واخلاقية ونفسية بحق المساجين, فهو النفاق بعينه, ولا يعبّر عن صدق أو ندم, بل أراد من خلاله تحقيق عدة أهداف اخرى أولها التغطية على الجرائم الأكبر التي حصلت وما زالت تحصل على ارض العراق, كما تستهدف الإيحاء للعالم بأن الاميركان "حضاريون", وها هم لا يتورّعون عن الإعتذار إن اخطأ "بعض" رجالهم.